طول عمري مؤمن إن الشطارة مش بالشهادات ولا بالمجهود، الشطارة «فهلوة»!
والوصول للقمة محتاج خلطة سحرية مجربة: رشة نفاق، على حبة مجاملات، مع شوية هدايا متقاطعة، وطبعاً—وهذا هو السر الأهم—خطة ممنهجة لتشويه صورة أي زميل ناجح يجرؤ على الظهور في الكادر.
وبفضل هذه الوصفة العبقرية، نجحت أخيرًا! تربعّت على «الكرسي المنتظر»، وبقيت أنا المدير، الشخصية الأهم والأكبر في المكان كله.أول قرار استراتيجي اتخذته بعد التمكين، هو إحاطة نفسي بـ «أهل الثقة» من الفاشلين، والمنافقين، والمطبلاتية؛ لأنهم ببساطة يمنحون المكان طاقة إيجابية من التصفيق المستمر.
وفي المقابل، قمت بـ «ركن» الفاهمين، الناجحين، والطيبين على الرف، حتى لا يفسدوا علينا بهجة الإنجاز الوهمي.
لكن، ويا للفرحة التي لم تكتمل! مع أول يوم لي فوق الكرسي العتيد، شعرت بـ «مسمار» غريب يغرز في اللحم، جعل جلستي غير مريحة بالمرة.
غيّرت الكرسي، بدّلت الغرفة، لكن الكارثة أن المسمار ظل في مكانه، والأغرب أن لا أحد في المكتب يراه غيري!ضاقت نفسي، فقررت أن أواجه المسمار اللعين وعاتقته بحدة: «أنت سايب كراسي الموظفين كلها، وجاي تبوّخ عليا أنا؟ ده أنا المدير يا ابني!».
وهنا كانت المفاجأة، رد عليّ المسمار بكل برود وبلاهة قائلًا: «ما أنا عارف، وأنا أبقى (ضميرك)، ولسه عندي أمل مفقود إنك تفوق!».
طبعاً ضحكت بسخرية، “طنشته”، وقررت مواصلة الرحلة؛ فمن وصل إلى هذا الكرسي بالفهلوة، يستطيع الوصول لما هو أعلى منه وبأي ثمن.
انطلقت في طريقي بقوة: بدأت أكتب تقارير كيدية في الشاطرين، وأظلم المجتهدين، وأستمتع بأكاذيب المنافقين من حولي، بينما أمارس هوايتي المفضلة في نفاق القيادات العليا، وكلي ثقة بأنني “واصل لا محالة”.
لكن بمرور الوقت، لاحظت أن الكرسي لم يعد به مسمار واحد.. لقد تحول إلى «حقل مسامير»!
صرت مضطراً للجلوس والتحمل، مقنعاً نفسي بأن هذا الوجع هو مجرد “ضريبة النجاح الصعبة”.
وفي عز نجاحي، وجبروتي، وثقتي العمياء بأنني “مش أي أي ولا زي زي”، استيقظت في الصباح على صدمة حياتي.
دخلت مكتبي لأجد أفشل موظف في الشغل وأقرب منافق لقلبي، يجلس بدم بارد على كرسي المدير! نعم، لقد اختاروه مكاني بذات الطريقة التي صعدت بها.
الكل من حولي كان يهنئه بحرارة، ولم يلتفت إليّ أحد ليوجه لي حتى كلمة مواساة واحدة.
نظر إليّ بدوري بضحكته الصفراء الباهتة وقال: «نورتنا يا فندم.. تشرب قهوتك سادة ولا زيادة؟».
والأكثر غرابة، أنني نظرت إلى الكرسي تحت جسده، فلم ألمح فيه ولا حتى مسماراً واحداً!
يبدو أن فاقد الشيء لا يشعر به، وكأن صاحبي الجديد ليس لديه “أصل لضمير” ليتألم منه!
خرجت من المكتب مصدوماً، أترنح كمن يعيش في كابوس، ليرتطم وجهي بالكرسي مرة أخرى خارج الغرفة، بمساميره البارزة وصداه الذي يملأ الممرات يهمس في أذني: «يا ريت ترجع لعقلك وتعتذر لكل اللي ظلمتهم.. ضحك عليك الكرسي وصدقت إنك شاطر بظلمك وجبروتك، وجه الوقت اللي هتدفع فيه الثمن.. مصيرك الذل في الدنيا، وجهنم وبئس المصير في الآخرة».



