كتبت أمل مسعود
ليست كرة القدم مجرد لعبة تدور بين خطين أبيضين، بل أصبحت ساحة عالمية تتقاطع فيها الرياضة مع الصورة والرسالة والتأثير.
ومن هنا يعود بنا الحديث إلى مفهوم «القوة الناعمة» الذي طرحه المفكر الأمريكي جوزيف ناي.
فالقوة الناعمة تعني القدرة على التأثير في الآخرين بالجاذبية والإقناع، لا بالدبابات ولا بالذخيرة ولا بالإكراه.
وهذا ما يجعل الرياضة، والفن، والثقافة، والإعلام أدوات قادرة على الوصول إلى القلوب أسرع من أي خطاب سياسي مباشر.
لكن ما شاهدناه في مباراة مصر والأرجنتين فتح بابًا واسعًا للتساؤل حول عدالة المنظومة الرياضية العالمية.
فالمنتخب المصري خرج من دور الستة عشر بعد مباراة انتهت بنتيجة 3-2 لصالح الأرجنتين.
ورغم الخسارة، فإن مصر تقدمت بهدفين، وقدمت أداءً كبيرًا أمام منتخب من أقوى منتخبات العالم.
المباراة لم تكن مجرد نتيجة، بل كانت مشهدًا كاشفًا لما يمكن أن يشعر به الجمهور حين تتداخل قرارات التحكيم مع مصير الأحلام.
فقد أثار إلغاء هدف مصري بعد مراجعة تقنية الفيديو، ثم تجاهل مطالبة مصرية بركلة جزاء في الدقائق الأخيرة، حالة غضب مشروعة لدى الجماهير.
والغضب هنا لا يعني رفض الهزيمة، بل رفض الإحساس بأن العدالة لم تُمنح الفرصة الكاملة لتقول كلمتها.
نحن لا نصدر أحكامًا قاطعة بلا تحقيق، لكننا نطالب بمراجعة شفافة لكل القرارات المؤثرة في المباريات الكبرى.
فكرة القدم لا تعيش فقط بالأهداف، بل تعيش أولًا بثقة الناس في نزاهة الملعب.
وعندما تهتز هذه الثقة، تصبح مسؤولية المؤسسات الدولية أكبر من مجرد إعلان النتيجة النهائية.
لقد علمونا كثيرًا عن حقوق الإنسان، والمساواة، ورفض الظلم، واحترام تكافؤ الفرص.
لكن هذه المبادئ لا يجب أن تبقى شعارات تُستخدم عند الحاجة، ثم تغيب حين يتعلق الأمر بمصالح الكبار.
الرياضة الحقيقية هي التي تمنح الصغير والكبير فرصة متساوية، وتحمي المجتهد من أن يُكسر حلمه بقرار غامض.
ورغم مرارة الخروج، فإن المنتخب المصري قدم صورة مشرفة عن مصر وشبابها وقدرتها على المنافسة.
كل التحية والتقدير للاعبي منتخب مصر الذين قاتلوا بروح عالية، ولعبوا كرة نظيفة، وأثبتوا أن القميص الوطني فوق كل شيء.
والشكر واجب للكابتن حسام حسن، المدير الفني، على روحه القتالية وإيمانه بلاعبيه ورفضه أن يكون المنتخب مجرد ضيف شرف.
كما نوجه الشكر إلى الجهاز المعاون، والطاقم الطبي، والإداريين، وكل من عمل في صمت خلف الكواليس من أجل هذا الظهور المشرف.
لقد كان منتخب مصر ندًا قويًا، لا تابعًا ولا خائفًا، ووقف أمام الأرجنتين بثبات واحترام.
والجمهور المصري والعربي، الذي وقف خلف المنتخب في كل مكان، كان جزءًا أصيلًا من هذه الملحمة.
قد نخسر مباراة، لكننا لا نخسر كرامتنا ولا إيماننا ببلدنا ولا ثقتنا في شبابنا.
والصورة التي وصلتني من شاب مصري حزين بسبب النتيجة كانت سببًا في كتابة هذه الكلمات.
لأنني أردت أن أقول له ولجيل كامل: ليست نهاية الكون فوزًا أو هزيمة.
أحيانًا تكون الخسارة بداية لوعي أكبر، وكشف أعمق، ومطالبة أكثر إصرارًا بالعدالة.
مصر ستبقى حاضرة بشبابها، ورياضتها، وثقافتها، وقوتها الناعمة التي لا تنكسر.
بحبك يا مصر، يا أحلى اسم في الوجود.


