بقلم الإعلامي: خالد سالم
كنتُ دائمًا أنظر إلى القناة الفضائية على أنها مطعم راقٍ.
له واجهة أنيقة، وقائمة طعام مدروسة، وطاهٍ ماهر يقف خلف الستار، ومواعيد ثابتة لا تتغير.
يأتيه الزبون في ساعة محددة، يجلس على مائدته، ويصبر حتى يُقدَّم له الطبق.
كان المشاهد يعرف أن الثامنة مساءً موعد المسلسل، وأن التاسعة موعد نشرة الأخبار، وأن رمضان موسم الولائم الكبرى.
كنا نحن صنّاع الشاشة نختار الطعام ونحدد ميعاد الأكل، وعلى الناس أن يأتوا.
ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي، فتغيّرت قواعد اللعبة كلها.
لم يعد الزبون مضطرًا للذهاب إلى المطعم. صار المطعم هو الذي يذهب إليه.
أصبح الطبق يصل إلى باب البيت، بل إلى كف اليد، في أي ساعة من ليل أو نهار، وعلى هاتف صغير يحمله المشاهد في جيبه.
لم تعد هناك مائدة ولا موعد ولا انتظار.
إن أعجبه الطبق التهمه، وإن لم يعجبه مرّ إلى غيره بإصبع واحدة خلال ثانيتين.
الخطر ليس في الوسيلة، بل في العادة
الخطأ الأكبر أن نظن أن المنافسة بين شاشة كبيرة وشاشة صغيرة.
المنافسة الحقيقية بين عادتين: عادة الانتظار وعادة الطلب.
جيل كامل نشأ وهو يشاهد ما يريد، وقتما يريد، ولا يعرف معنى أن يجلس أمام التلفاز في ميعاد محدد.
وهذا الجيل لن يعود إلينا، لأنه لم يكن عندنا أصلًا.
وحين يتبدل سلوك الجمهور تتبدل معه المعادلة الاقتصادية.
الإعلان يتبع العين، والعين صارت على الهاتف.
ومن يملك العين يملك المال، ومن يملك المال يملك القدرة على الإنتاج.
وهذه حلقة تضيق شيئًا فشيئًا على القنوات التقليدية.
هل يعني هذا أن المطعم سيُغلق أبوابه؟
هنا أحتاج أن أكون منصفًا.
المطاعم الراقية لم تختفِ حين ظهر “الدليفري”.
ما زال هناك من يريد التجربة الكاملة: الجلسة والأجواء والضيافة وقيمة المكان.
لكن هؤلاء قلّة، ولا تكفي مائدةٌ لقلّة أن تحمل مؤسسة بحجم قناة فضائية بكل ما فيها من استوديوهات وبث وأقمار صناعية وجيوش من العاملين.
الموت هنا ليس لحظة واحدة، بل بطء شديد.
القناة التي لا تتغير ستظل تعمل، لكنها ستعمل كما تعمل المطاعم الكبيرة في الشوارع الخالية: أنوارها مضاءة وموائدها منسّقة، لكن لا أحد يجلس.
ماذا يفعل المطعم الذكي؟
الطاهي الذكي لا يعلّق على بابه لافتة “نحن لا نوصّل”.
هو يفتح مطبخه للتوصيل، ويحتفظ بقاعة الطعام لما لا يُنقل في علبة.
وهذا بالضبط ما يجب أن تفعله القنوات:
– أن تعتبر الهاتف شاشتها الأولى لا الثانية، فتصنع محتوى يعيش خارج جدول البث.
– أن تقطّع برامجها إلى لقطات وحلقات قصيرة تصلح للتداول، بدلًا من أن تحبسها في ساعة واحدة.
– أن تحوّل البث المباشر إلى حدث لا يُفوَّت: مباراة أو خبر عاجل أو مسلسل في ليلة عرضه الأولى.
– أن تبني علاقة مباشرة مع جمهورها، فلا تكتفي بإرسال الطبق وترحل، بل تسمع رأي الزبون وتعدّل الوصفة.
كلمة أخيرة
أنا ابن هذه المهنة، وقضيتُ عمري داخل مطبخ الشاشة.
وأقولها بمحبة لا بشماتة: إن ما يموت ليس الإعلام، وإنما صيغة قديمة لتقديمه.
الحكاية ستظل تُروى، والناس ستظل تحتاج لمن يرويها، لكن الراوي لم يعد ينتظر في القاعة.
صار عليه أن يطرق الباب.ومن لا يحمل طبقه ويصعد درج الناس، فلن يجد على مائدته أحدًا.


