بقلم الإعلامي خالد سالم
منذ انطلاق البث الفضائي العربي قبل أكثر من ثلاثة عقود، كان الحلم كبيرًا بأن تصبح القنوات الفضائية نافذة للمعرفة، وجسرًا للتنمية، ومنبرًا لتبادل الخبرات والثقافات.
لكن بعد هذا التوسع الهائل، يحق لنا أن نتساءل: هل نحتاج فعلًا إلى كل هذا العدد من القنوات الفضائية؟إذا انتقلت بين عشرات القنوات، ستشعر وكأنك تشاهد القناة نفسها بأسماء مختلفة.
البرامج متشابهة، والمذيعون يتنقلون بين الشاشات، والضيوف أنفسهم، والموضوعات ذاتها، بل وحتى الديكورات وطريقة التقديم تكاد تكون نسخة مكررة.
أما الدراما والأفلام، فهي تدور في دائرة لا تنتهي من الإعادة، حتى أصبح المشاهد يحفظ الحوار قبل أن يبدأ.
المشكلة ليست في كثرة القنوات، بل في غياب التنوع الحقيقي.
فالعالم اليوم يتجه نحو الإعلام المتخصص، بينما ما زلنا نعتمد على قنوات عامة تقدم كل شيء، لكنها لا تتقن شيئًا.
وعندما ننظر إلى الدول المتقدمة، نجد أن فلسفة الإعلام تختلف بصورة واضحة.
فهناك قنوات متخصصة في الاقتصاد والأسواق، وأخرى في العلوم والفضاء، وثالثة في التكنولوجيا والابتكار، ورابعة في التاريخ والوثائقيات، وخامسة في الزراعة والبيئة، وأخرى في التعليم والتدريب المهني، بالإضافة إلى قنوات للأطفال تعتمد على المحتوى التعليمي والترفيهي الهادف.
والجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات العلمية تشارك في إنتاج هذا المحتوى، فيتحول الإعلام إلى شريك في التنمية وليس مجرد وسيلة للترفيه.
وفي العديد من هذه الدول، أصبح التلفزيون جزءًا من منظومة بناء الإنسان؛ فالمشاهد يستطيع أن يتعلم لغة جديدة، أو يكتسب مهارة مهنية، أو يتابع أحدث الابتكارات الصناعية، أو يتعرف على فرص الاستثمار وريادة الأعمال من خلال قنوات متخصصة تقدم محتوى عميقًا وموثوقًا.
أما في عالمنا العربي، فما زلنا نكرر القوالب نفسها.
برامج “التوك شو” المتشابهة، والدراما المعادة، والأفلام المكررة، بينما تغيب قنوات تخدم قطاعات تمثل أساس الاقتصاد الوطني.
أين القنوات المتخصصة في الصناعة التي تعرف المستثمرين بالتكنولوجيا الحديثة وأساليب الإنتاج؟
أين قنوات البناء والتشييد والعمارة التي تقدم أحدث أساليب التصميم والهندسة وإدارة المشروعات؟
أين القنوات التي تشرح الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والبرمجة والأمن السيبراني بلغة بسيطة تصل إلى الشباب؟
وأين قنوات السياحة التي تروج لمقاصدنا الأثرية والطبيعية طوال العام، وتبرز التنوع الحضاري والثقافي، وتدعم الاقتصاد الوطني؟
وأين القنوات الزراعية التي تنقل أحدث تقنيات الري والإنتاج والتصنيع الغذائي؟
بل أين القنوات التي تعلم الناس المهن والحرف؟ نجار، سباك، كهربائي، فني تبريد وتكييف، حداد، ميكانيكي، مصمم أثاث، طاهٍ، حرفي… هذه المهن هي العمود الفقري لأي اقتصاد منتج، لكنها لا تحظى بحضور إعلامي يليق بقيمتها، رغم أن كثيرًا من الدول حولت التدريب المهني إلى برامج جماهيرية ساهمت في رفع كفاءة العمالة وتقليل البطالة.
إن الإعلام ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل هو أحد أهم أدوات التنمية.
وكل قناة فضائية تستهلك أموالًا طائلة في التشغيل والإنتاج والأقمار الصناعية والكوادر البشرية.
فإذا كانت تقدم المحتوى نفسه الذي يقدمه عشرات غيرها، فما القيمة المضافة؟
وهل يبرر ذلك حجم الإنفاق؟
لسنا في حاجة إلى عشرات الشاشات التي تكرر المحتوى، بل إلى شاشات تصنع المعرفة، وتدعم الاقتصاد، وتواكب خطط التنمية، وتبني الإنسان.
فالقناة الناجحة ليست بعدد ساعات البث، وإنما بقدرتها على إحداث أثر حقيقي في المجتمع.
إن المستقبل لن يكون لمن يملك أكبر عدد من القنوات، وإنما لمن يقدم أفضل محتوى.
فالمشاهد اليوم لم يعد أسير شاشة التلفزيون، بل أصبح يمتلك آلاف الخيارات عبر المنصات الرقمية، ولن يمنح وقته إلا لمن يقدم له معرفة أو مهارة أو فكرة جديدة.
لقد آن الأوان لإعادة صياغة خريطة الإعلام العربي، بحيث تنتقل من إعلام يعتمد على التكرار إلى إعلام يقود التنمية، ويشارك في بناء اقتصاد المعرفة، ويواكب الثورة الصناعية والتكنولوجية التي يعيشها العالم.
السؤال الحقيقي لم يعد: كم قناة فضائية نملك؟ بل: كم قناة استطاعت أن تصنع إنسانًا أكثر علمًا، أو عاملًا أكثر مهارة، أو وطنًا أكثر تقدمًا؟
بقلم الإعلامي خالد سالم




