بقلم: روان حسن
اعتدنا أن تكون الصواريخ والطائرات المسيّرة أدوات الحرب، ولكن ماذا لو أصبح الصلح نفسه سلاحًا؟
في ظل التوتر المتصاعد في المشهد السياسي العالمي، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل في فبراير 2026 ضربات استهدفت البرنامج النووي والبنية العسكرية الإيرانية.
وردّ النظام الإيراني بالتصعيد، فعطّل حركة الملاحة في مضيق هرمز وشن آلاف الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على أهداف في عدد من دول الخليج، من بينها السعودية والإمارات، التي تعرضت وحدها لنحو 3000 هجوم بالصواريخ والمسيّرات مجتمعة.
كل هذا أدى إلى تصاعد التوتر السياسي والأمني في الخليج، ودفع دولًا مثل الإمارات والبحرين إلى تعزيز تعاونها الدفاعي والأمني لمواجهة التهديد الإيراني.
وعلى الرغم من قوة الهجمات التي تعرضت لها إيران واستمرار المواجهة الخارجية، نجح النظام الإيراني حتى الآن في البقاء، ولكن هل ينجو من الحرب الداخلية؟
لتبسيط المشهد السياسي الإيراني المعقد فيمكننا تقسيمها إلى معسكران.
الأول هو معسكر المتشددين أو جبهة الصمود، الذي يضم سعيد جليلي، ممثل المرشد الأعلى في المجلس الأعلى للأمن القومي، وعددًا من القيادات المتشددة التي ترفض التفاوض وتعتبر أي تنازل خيانة.. والمعسكر الآخر هو معسكر البراغماتيين بقيادة الرئيس بزشكيان ووزير الخارجية عراقجي، ساعين في تخفيف العقوبات وإنقاذ الاقتصاد.
وبين هاتين الضفتين يقف الشعب الإيراني بين إنقاذ اقتصاد مدمر من الحرب والعقوبات وتجميد الأصول والحصار الأمريكي.
وصل معدل التضخم السنوي في إيران إلى نحو 66%، بينما تجاوز سعر صرف الدولار مليوني ريال إيراني، وبالتالي هم كأي شعب يطالب بتحسين مستوى المعيشة، وذلك يضع النظام الإيراني في خطر عودة الاحتجاجات الشعبية التي لطالما كانت فيروسًا يهاجم نظام الملالي منذ تأسيسها في 1979.
فهل هناك فرصة لإنقاذ الاقتصاد والشعب؟
وتتمثل المكاسب الاقتصادية المحتملة للتسوية في الإفراج عن نحو 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة، إلى جانب صندوق استثماري مقترح تصل قيمته إلى 300 مليار دولار لتمويل إعادة الإعمار والتنمية، بخلاف فك الحصار عن الموانئ الإيرانية، وليس كأموال نقدية مباشرة تحصل عليها الحكومة الإيرانية..
وبذلك يمكن أن تمنح التسوية إيران متنفسًا اقتصاديًا كبيرًا، سواء من خلال الأصول المجمدة أو الاستثمارات المحتملة، وهو الطريق الذي قد تختاره إيران لحماية نظامها، كما فعلت عام 1988، عندما وافق آية الله روح الله الخميني على قرار مجلس الأمن 598 بوقف إطلاق النار بعد ثماني سنوات من الحرب مع العراق، وهو ما يوضح أن النظام الإيراني قد يتراجع عن سياسة الصمود عندما تتراكم الضغوط العسكرية والاقتصادية والداخلية وتهدد استقراره.
كما ظهر هذا النهج مرة أخرى عام 2013، عندما تحدث خامنئي عن «المرونة البطولية» في ظل العقوبات والضغوط الاقتصادية، وهو ما مهّد للمفاوضات التي انتهت بالاتفاق النووي عام 2015.
وبهذا نستنتج أن الموقف الإيراني الصامد يتراجع أمام الالتزامات الاقتصادية والغضب الشعبي، وهو ما يدعم احتمالية أن تلجأ إيران مرة أخرى إلى التهدئة والتفاوض إذا رأت أن استمرار الأزمة الاقتصادية والغضب الشعبي يمثلان تهديدًا لبقاء النظام.
ولكن يبقى السؤال: هل ستستخدم إيران هذا المتنفس الاقتصادي في إعادة الإعمار وتحسين الاقتصاد، أم ستوجه جزءًا منه إلى إعادة بناء قدراتها العسكرية؟
فقد أظهرت التجربة التي أعقبت الاتفاق النووي أن تخفيف الضغوط الاقتصادية لم يمنع إيران من زيادة إنفاقها العسكري لاحقًا.
وهكذا، قد يتحول الصلح نفسه إلى سيف ذي حدين: يمنح إيران فرصة لإطفاء نار الحرب وإنقاذ اقتصادها اليوم، لكنه قد يوفر لها في الوقت نفسه الموارد اللازمة لإعادة التسلح والاستعداد لمواجهة جديدة غدًا.


